العاشر من رمضان حرب أكتوبر ١٩٧٣م ملحمة الإيمان والسلاح “وما النصر إلا من عندالله”
نصر اكتوبر يكن النصر عسكريًّا فقط بل كان انتصارًا للعقيدة والوحدة والإرادة..
العاشر من رمضان حرب أكتوبر ١٩٧٣م ملحمة الإيمان والسلاح “وما النصر إلا من عندالله”

كتبت : منا احمد
يومُ السادس من أكتوبر لم يكن مجرّد تاريخٍ في الذاكرة، بل هو يومُ العزةِ والفخارِ، هو ملحمةٌ خالدةٌ، ونصرٌ مبينٌ من عند الله، نصرٌ أعاد للأمّة كبرياءَها. في هذا اليوم المشهود، وقفَ الجندي المصري شامخًا، متسلّحًا بالإيمان قبل السلاح، مردّدًا نداءَ “الله أكبر”، ورافعًا شعار: “الوطن قبل أي شيء”، فكانت تلك الكلمات وهذا الشعار شرارةَ النصر، وصرخةَ الحق التي دكّت حصون الباطل،
وكأن حالهم يصورُه ويجسدُه قولُ الشاعر فاروق جويدة: وما دام جيشُكِ يحمى حِمَاكِ *** ستمضي إلى النصرِ دوماً خطاكِ سلامٌ عليكِ إذا ما دعانا *** رسولُ الجهادِ ليومِ الفداءْ وسالتْ مع النيلِ ِيوماً دِمانا *** لنبني لمصرَ العلا والرخاءْ لقد أثبتت مصرُ مجددًا – كعادتها- وعلى مرّ التاريخ، أنها عتبةٌ تنكسرُ عليها أحلامُ الطّغاة المعتدينَ، وتتبخّرُ عليها أوهامُ الغزاة. وما هذا النصرُ إلا تأكيدٌ على أنَّ “وما النصر إلا من عند الله” لقد كانت الروح الإيمانية متّقدةً في صدور هؤلاء الأبطال البواسل، فصنعوا المستحيلَ، وأعادوا كتابةَ التاريخ بدمائهم الزكيّة. فحُقّ علينَا جميعًا أن نجعلَ من هذه الذكرى حافزًا لنا، ولنستلهمْ من روح نصر أكتوبر العزيمةَ والإصرارَ على بناءِ وطنٍ عظيمٍ، على غرار حضارة أجدادنا. فالدفاع عن هذا الوطن الغالي واجبٌ مقدّسٌ، وميراثُ الأجدادِ أمانةٌ في أعناقنا، وعلينا أن نكملَ المسيرَ.
حرب أكتوبر ١٩٧٣م العاشر من رمضان كانت ملحمة عربية خاضها المصريون في شهر رمضان بروح الإيمان والصيام، كما خاض الصحابة غزوة بدر، اختار السادات توقيتًا عبقريًّا أربك إسرائيل، وحقق عبورًا تاريخيًّا أعاد الكرامة للأمة، كان الإيمان السلاح الأقوى، وقد لعب الأزهر دورًا روحيًّا في تعبئة الجنود، فلم يكن النصر عسكريًّا فقط، بل كان انتصارًا للعقيدة والوحدة والإرادة..
في السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣م،العاشر من رمضان انطلقت شرارة واحدة من أعظم المعارك في التاريخ العربي الحديث لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت لحظة فارقة في الوعي الجمعي، حين اجتمعت إرادة المصريين في هجوم مباغت على إسرائيل لاستعادة الأرض والكرامة، هذه الحرب لم تغيّر فقط خرائط الجغرافيا، بل أعادت تشكيل وجدان الشعوب، وفرضت واقعًا جديدًا في السياسة الدولية.
من النكسة إلى النهوض و إرادة لا تُكسر
بعد الهزيمة القاسية في حرب يونيو ١٩٦٧، التي عُرفت بالنكسة، عاش العرب حالة من الانكسار النفسي والسياسي فقدت مصر سيناء، وسقطت غزة والضفة الغربية والقدس، واحتلت إسرائيل هضبة الجولان السورية، لكن وسط هذا الظلام بدأت مصررحلة جديدة من المقاومة، أطلق عليها (حرب الاستنزاف)، والتي استمرت من ١٩٦٨ حتى ١٩٧٠، وكانت بمثابة تدريب عملي على الصمود والردع، وبعد تولى أنور السادات الحكم، وورث تركة ثقيلة من الهزيمة والاحتلال، لكنه قرر أن تكون رئاسته بداية لتحرير الأرض واستعادة الكبرياء، وعلى مدار ثلاث سنوات أعاد بناء الجيش، ونسج شبكة تحالفات عربية ودولية، وبدأ التخطيط لعملية عسكرية غير مسبوقة تُعيد للعرب ثقتهم بأنفسهم.
عبقرية التوقيت وكيف خُدعت إسرائيل في يوم عيدها؟
لم يكن اختيار يوم السادس من أكتوبر صدفة، بل كان نتاج دراسة دقيقة للظروف النفسية والدينية للعدو، ففي هذا اليوم، يحتفل اليهود بعيد (يوم كيبور)، وهو أقدس أيامهم؛ حيث يتوقف فيه كل شيء تقريبًا، الإعلام، والجيش، والاقتصاد، وحتى حركة الطيران؛ مما جعل الرئيس السادات يختار هذا التوقيت لعلمه بأن عنصر المفاجأة سيكون حاسمًا، وبالفعل كانت إسرائيل في حالة شلل شبه تام؛ مما سمح للقوات المصرية بتحقيق تقدم سريع في الساعات الأولى، المفاجأة لم تكن فقط في التوقيت، بل في حجم التنسيق العربي، والدقة في تنفيذ العمليات، والسرية المطلقة التي أحاطت بالتحضيرات.
فى العاشر من رمضان قوة الإيمان في شهر الصيام حين قاتل الجنود بروح الإيمان
من أعظم ما ميّز حرب أكتوبر أنها اندلعت في شهر رمضان، شهر الصيام والعبادة والتقوى، شهر النصر، وكأنها رسالة من السماء بأن النصر لا يُقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات، بل بصدق النية وقوة الإيمان، خاض الجنود المصريون المعركة وهم صائمون، يحملون في قلوبهم يقينًا لا يتزعزع بأن الله معهم، وأن الأرض التي يدافعون عنها ليست مجرد تراب، بل عرض وكرامة وتاريخ، لم يكن الصيام عائقًا، بل كان وقودًا روحيًّا، يمدهم بطاقة لا تنضب، ويزرع فيهم الصبر والثبات في وجه العدو المدجج بأحدث الأسلحة، وقد أثبتت هذه الحرب أن الإيمان ليس مجرد شعور داخلي، بل قوة عملية تُترجم إلى شجاعة وتضحية، وأن الجندي المؤمن يستطيع أن يصنع المعجزات حين يوقن أن الله لا يخذل من يقاتل في سبيل الحق.
فإذا نظرنا من غزوة بدر الكبرى إلى حرب السادس من أكتوبر فنجد صيام المجاهدين ونصر المؤمنين، ففي التاريخ الإسلامي، تظل غزوة بدر رمزًا خالدًا لانتصار القلة المؤمنة على الكثرة المدججة؛ حين خرج المسلمون مع رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم – وهم صائمون، لا يحملون سوى إيمانهم العميق ويقينهم بنصر الله، كانت بدر أول اختبار حقيقي للعقيدة؛ حيث واجه ٣١٣ مسلمًا جيشًا يفوقهم عددًا وعتادًا، لكنهم انتصروا لأنهم قاتلوا بقلوب معلقة بالسماء لا بالأرض، الصيام لم يكن ضعفًا، بل كان طهارة للروح، واستعدادًا للقاء الله في ساحات القتال، فكان النصر من عند الله، كما وعد في كتابه الكريم {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران:١٢٦].
وبعد أكثر من ألف عام تكررت الصورة في حرب أكتوبر ١٩٧٣ حين قاتل الجنود المصريون وهم صائمون في شهر رمضان، يحملون في صدورهم نفس اليقين، ونفس العزيمة، ونفس الإيمان بأن الأرض لا تُسترد إلا بالدم، وأن الله لا يخذل من يقاتل في سبيل الحق، لم يكن الصيام عائقًا، بل كان وقودًا روحيًّا، يمدهم بالصبر والثبات، ويُذكّرهم بأنهم يخوضون معركة مقدسة، دفاعًا عن الوطن والعقيدة، وكما نصر الله المسلمين في بدر نصرهم في أكتوبر؛ لأنهم قاتلوا بإيمان لا يُهزم، وإرادة لا تُكسر، وروح لا تعرف الانكسار،
هكذا تتلاقى بدر وأكتوبر في جوهرهما من حيث إن كلاهما معركة في رمضان، يقودها رجال صائمون، يطلبون النصر من الله، ويؤمنون أن التضحية في سبيل الأرض والعقيدة هي أسمى درجات الجهاد، وبين سيوف الصحابة في بدر، ودبابات الجنود في سيناء، ظل الإيمان هو السلاح الأقوى، والراية التي لا تسقط.
دور الأزهر والخطاب الديني وتعبئة الروح قبل السلاح
لم يكن الأزهر الشريف بعيدًا عن ساحة المعركة، بل كان حاضرًا بقوة في تعبئة الجنود نفسيًّا وروحيًّا، أرسل الأزهر علماءه إلى معسكرات التدريب، وإلى الخطوط الأمامية؛ ليبثوا في الجنود روح الجهاد، ويذكّروهم بفضل الدفاع عن الأرض والعرض، كانت الخطب الدينية تُلقى في ساحات القتال، والفتاوى تُصدر لتؤكد أن الصيام لا يتعارض مع الجهاد، وأن من يُقاتل في سبيل الله فهو في أعلى درجات الإيمان، لعب الخطاب الديني دورًا محوريًّا في رفع المعنويات، وتثبيت القلوب، وتحويل المعركة من مجرد صراع سياسي إلى قضية عقائدية، تُخاض باسم الدين والوطن، لقد كان الأزهر صوتًا للحكمة، وراية للحق، وسندًا روحيًّا لا يقل أهمية عن السلاح والذخيرة.
نداء وجداني إلى من يحملون راية الغد
يا من تقرؤون هذه السطور، اعلموا أن النصر لا يُولد من فراغ، بل من دماء وتضحيات وإيمان لا يتزعزع، حرب أكتوبر لم تكن مجرد معركة، بل كانت درسًا خالدًا في أن الأمة إذا اجتمعت، وإذا آمنت بحقها، وإذا رفعت راية العدل، فإنها قادرة على دحر الظلم مهما كان جبروته، فلنُحيِي هذه الروح في قلوبنا، ولنُعلّم أبناءنا أن الكرامة لا تُشترى، وأن الأرض لا تُسترد إلا بالدم والإيمان، ولتكن ذكرى أكتوبرالعاشرمن رمضان نبراسًا يضيء طريقنا نحو مستقبل لا يُصنع إلا بالعزة والوحدة واليقين.
الله أكبر، تحيا مصر، وحفظ الله مصر ورئيسها وجيشها وشعبها
الخلاصة
حرب أكتوبر ١٩٧٣م كانت ملحمة عربية خاضها المصريون في شهر رمضان بروح الإيمان والصيام، كما خاض الصحابة غزوة بدر، اختار السادات توقيتًا عبقريًّا أربك إسرائيل، وحقق عبورًا تاريخيًّا أعاد الكرامة للأمة، كان الإيمان السلاح الأقوى، وقد لعب الأزهر دورًا روحيًّا في تعبئة الجنود، فلم يكن النصر عسكريًّا فقط، بل كان انتصارًا للعقيدة والوحدة والإرادة




