ملحمة أكتوبرالعاشر من رمضان ومضات التوفيق والالهام الربانى وابتكار الشفرة النوبية
ملحمة أكتوبرالعاشر من رمضان ومضات التوفيق والالهام الربانى وابتكار الشفرة النوبية

كتبت :منا احمد
في تاريخ مصر أيام لا تنسى، منها العاشر من رمضان عام (1393هـ) الموافق السادس من أكتوبر (1973م)، والذي تمكنت فيه القوات المصرية من عبور قناة السويس ـ التي كانت توصف بأنها أصعب مانع مائي في العالم ـ، وتحطيم أكبر ساتر ترابي ألا وهو خط بارليف الذي كان جبلا من الرمال والأتربة، ويمتد بطول قناة السويس في نحو (160) كيلو متر من بورسعيد شمالاً وحتى السويس جنوباً، ويتركز على الضفة الشرقية للقناة، وهذا الجبل الترابي ـ الذي كانت تفتخر به القيادة الإسرائيلية لمناعته وشدته ـ كان من أكبر العقبات التي واجهت القوات الحربية المصرية في عملية العبور والانتصار. وقد اعتبر المؤرخون المعاصرون هذا الحدث أول انتصار عسكري للمسلمين والعرب في العصر الحديث على اليهود ـ إسرائيل ـ الذي شفى الله به صدور قوم مؤمنين، وأذهب غيظ قلوبهم.
لقد خاض الجيش المصري البطل تلك المعركة وهو يعلم أنها معركة مصير، لأن هزيمة الجيش المصري فيها لو حدثت فإنه يعني سيادة إسرائيل على المنطقة كلها، وذلك لأن مصر كانت قد انكسرت قبلها بست سنوات انكساراً شديداً بهزيمة يونيو (1967م)، التي أتاحت للعدو الصهيوني أن يقدم نفسه للعالم كسيد وحيد، وأن جيشه هو الجيش الذي لا يُقهر، وظل بالفعل يعربد في أجواء مصر طوال سنوات ما عُرِفَ بحرب الاستنزاف.
ومضات التوفيق في ملحمة أكتوبرالعاشر من رمضان :
في لحظاتٍ سال فيها مدادُ التوفيق الإلهي على صحائف التاريخ، وتفتّحت بها أبواب النصر لمن صدقوا الله، وكان السادس من أكتوبر شاهدًا على أن العزّة هبةٌ من الرحمن، لا تُنال إلا باليقين والعمل، وهناك حيث امتزجت صيحات (الله أكبر) بوقع الخطى تجلّت عناية الله، فصار النصر آيةً خالدة تُتلى على مرّ الزمان.
الإلهام الرباني وابتكار الشفرة النوبية
لم يكن إلهام الجندي البطل أحمد إدريس بفكرة الشفرة النوبية محض مصادفة عسكرية، بل كان نفحة ربانية ألقى الله بها في قلب جندي بسيط ليصير مفتاحًا من مفاتيح النصر، فاللهجة النوبية التي لا تعرف أبجدية مكتوبة تحولت إلى جدار حصين يعجز العدو عن اختراقه، أليس هذا من تمام قوله تعالى: {وَمَا يَعۡلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَۚ} [ المدثر: ٣١]، ومن توفيق الله للعبد أن يجري على لسانه وقلبه ما لم يخطر له ببال، هكذا تجلت قدرة الله في إلهام أحد عباده الصالحين، فخرج من بين صفوف الجنود ليفضح ضعف العدو ويثبت أن النصر عطية من المولى المنان تبارك وتعالى.
إصابة موفقة بتقدير الله
كانت مدافع مصرية تصوب نيرانها نحو حصون العدو، فتصيب بقدَر الله مركزًا للعدو بالغ الأهمية للإعاقة والتشويش، وهنا تجلت الآية العظمى: {وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} [الأنفال: ١٧]، فالله الذي يعلم الغيب قدّر أن تسقط القذائف حيث يشاء؛ ليهلك العدو بما كان يعدّ من قوة، وكما قال توفيق الحكيم: “ما كان عبورنا إلا هبة الروح التي أيقظها الله في الأمة، فعبرت قبل المدافع والجنود” [ماذا قال الأدباء عن حرب أكتوبر؟
اجتماع القلوب ووحدة الصف
ومن أعظم صور التوفيق أن اجتمعت القلوب على كلمة سواء.. جيش وشعب، مسلمون ومسيحيون، في صف واحد، حتى صدق فيهم قول سيد الخلق – صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ [البخاري: ٤٨١، مسلم: ٢٥٨٥].
فلقد كان ذلك الاجتماع آية من آيات الله في توحيد الصفوف؛ حيث شعر كل فرد أن النصر لا يكون إلا بجسد واحد وروح واحدة، وقد وصف الأديب الكبير نجيب محفوظ هذه الروح فقال: “إن روح أكتوبر ثورة روحية قبل أن تكون معركة عسكرية، ثورة على الضعف واليأس، وثبة على النفس قبل مواجهة العدو”
الثبات واليقين بنصر الله
حين دوّت صيحات (الله أكبر) مع انطلاق العبور لم تكن مجرد هتافات، بل كانت سهامًا معنوية خرقت قلوب العدو وألقت فيها الرعب، كما قال تعالى: {لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةٗ فِي صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ} [الحشر: ١٣].
لقد كانت صيحات الجنود أكبر من أصوات المدافع؛ لأنها صادرة عن يقين بأن النصر من عند الله، وهنا يشرق صوت الإمام الشعراوي وهو يخاطب الجنود على الجبهة: “إننا جميعًا جنود الحق؛ أنتم بالسيف وأنا بالحرف، أنتم بالكتائب وأنا بالكتاب، أنتم بالسنان وأنا باللسان”، إنها كلمات أيقظت في النفوس يقين النصر وثبات القلوب.
منحة العزة بعد محنة النكسة
جاء العاشر من رمضان السادس من أكتوبر ليطوي صفحة الهزيمة وينسخ اليأس بالرجاء، وليحقق وعد الله {فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرًا * إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرٗا} [الشرح: ٥-٦]، فتحولت دموع الانكسار في ١٩٦٧ إلى دماء عزّة في ١٩٧٣، فعادت الأمة إلى رشدها، واسترد المقاتل ثقته بنفسه وقادته، وتبدد ظلام اليأس بنور الأمل، وقد عبّر المفكر مصطفى السباعي عن هذا المعنى قائلًا: “منذ السادس من أكتوبر تغير نبض الحياة من حولنا، فقد عبرنا إلى آفاق المستقبل وتركنا وراءنا كل ظلام اليأس والتمزق والهزيمة”.
بشائر النصر من سنن الله
ولم يكن هذا النصر إلا ثمرة اجتماع الأسباب مع التوكل، فقد أخذت مصر بالإعداد والتخطيط، وجعلت توكلها على الله سندها الأول، فصدق فيها حديث النبي – صلى الله عليه وسلم: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّل» [الترمذي: ٢٥١٧]، فاجتمع التخطيط العسكري مع قوة الدعاء، والجهد البشري مع مدد السماء من المولى المعين تبارك وتعالى، فتحقق وعد الله {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ} [محمد: ٧].
وهكذا صار نصر أكتوبر شاهدًا على أن الأمة إذا صدقت مع الله صدقها الله، وإذا أخذت بالأسباب بارك الله لها وأيّدها بروح من عنده سبحانه وتعالى.
الخلاصة
نصرُ أكتوبر آيةٌ ناطقة بأن التوفيق الإلهي هو سرُّ العزائم ومفتاحُ النصر، فاجتمع فيه الإعدادُ البشري مع العناية الربانية، فتجلّى وعد الله لعباده المؤمنين، فصار درسًا خالدًا بأن العزّة لا تُنال إلا باليقين والعمل، وبأن النصر من عند الله وحده




