من آن لآخر..آفة خطيرة.. تحتاج لمواجهة من الجذور..بقلم عبدالرازق توفيق
من آن لآخر..آفة خطيرة.. تحتاج لمواجهة من الجذور..بقلم عبدالرازق توفيق

كتب : اللواء
الغش أيًا كان نوعه آفة اجتماعية خطيرة، لها تداعياتها ونتائجها على مستويات كثيرة، وهو أمر يعكس وجود خلل فى التربية والضمير، لكن الأخطر هو الغش فى الامتحانات والتعليم، لأنه تهديد مباشر لسلامة وكفاءة منظومة العمل فى مؤسسات الدولة ويفرز كوادر ضعيفة تفتقر للحد الأدنى من الجدارة، ويصيب الأهداف والطموحات فى مقتل، ويجعل من سيرة النمو والتطور وما تم تحقيقه من بناء عصرى لا يسير فى اتجاه النجاح ويخل بمبدأ تكافؤ الفرص.
الرئيس عبدالفتاح السيسى وضع يده على خطورة هذه الأزمة التى تهدد حاضر ومستقبل الدولة، فى الوقت الذى يسابق فيه الرئيس الزمن للتنقيب عن الكوادر المؤهلة والتى تمتلك رصيدًا وافرًا من المهارة والجدارة والكفاءة والاستحقاق لتولى مسئوليات جسام فى إدارة منظومة الدولة المصرية الحديثة التى شهدت أكبر عملية تطوير وتحديث وبناء وإصلاح خلال الـ 12 عامًا الأخيرة بما يواكب العصر،
وتأتى رؤية الرئيس السيسى فى بناء عصرى للإنسان المصرى يمكنه من امتلاك أدوات النجاح ومواكبة العصر، يريد الطبيب والمهندس الماهر، والمعلم والإمام الذى يمسك بأسباب التفوق وهو ما نلمسه فى المتابعة المستمرة للرئيس للدارسين فى الأكاديمية العسكرية وحديثه المتواصل لشرح فلسفة هذه الدورات التى تبنى كوادر وعناصر مؤهلة بشكل شامل قادرة على تحمل مسئولية إدارة قطاعات الدولة المختلفة للحصول على نتائج تحقق طموحات الدولة المصرية التى تسعى لتنفيذ المشروع الوطنى للتقدم.
الغش فى كل مناحى الحياة أمر خطير، حرمته الأديان السماوية، فرسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم قال: «من غشنا فليس منا» وهو أمر يتسبب فى كوارث ويخل بمبدأ المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص، ويكشف عن سوء وتقصير فى التربية والوعي،
لذلك من الغريب والعجيب أن تعانى وزارة التربية والتعليم من الغش فى الامتحانات خاصة الثانوية العامة وهنا لا أحمل الوزارة الحالية بل الموضوع جاء بسبب تراكم على مدار العقود الماضية، فالاسم هو وزارة التربية والتعليم، وبالتالى فإن انتشار رضوخ البعض إلى تبنى الغش كمسار لتحقيق النجاح والتفوق بدون حق هوأمر كارثي،
لذلك الحديث عن وجود ظاهرة يعنى فشلاً ذريعاً لمؤسسات التربية سواء الأسرة والتى بات بعض أولياء الأمور لديهم قناعة بأن الغش وسيلة لتحقيق النجاح والتفوق، كانت المبررات التى يسوقها البعض بأنه حرام وخطأ جسيم يضر بالطالب أو التلميذ نفسه كما يضر بالدولة أو الوطن،
لأننا بصدد أجيال من غير أصحاب الجدارة والذين بنيت حياتهم على الغش والحصول على درجات وتقييم غير مستحق لا يغير من مستواهم الحقيقى كما أنه يدين فاعلية ومنظومة وزارة التربية والتعليم التى لم تفلح فى تحقيق الجزء الأهم من المهمة وهى التربية، فالطالب الغشاش هو نتاج منظومة تربية فاشلة وتعانى من الخلل،
لذلك ورغم الإجراءات والعقوبات التى تتصدى لهذه الآفة على المدى القريب إلا أننا فى حاجة إلى إعادة النظر فى أساليب التربية سواء فى الأسرة أو المدرسة، كما أن الغش يعكس قصوراً فى عمل المؤسسات الدينية، والنفسية أى أننا أمام خلل مجتمعى يحتاج لإصلاح وإعادة تربية وبناء وعى شامل وحقيقي، وهنا لا أغفل حق الطلاب الذين رفضوا الغش رغم أنه كان فى متناول أيديهم وتمسكوا بالأمانة والموضوعية، وربما لم يحصلوا على الدرجات التى حصل عليها الغشاشون لكن هذه الدرجات تعبير حقيقى عن قدراتهم وانعكاس لقيمة التربية الصحيحة وقوة الضمير، وهؤلاء من يفرح بهم المجتمع والوطن،
وجاءت نتائج الغش كارثية، عندما التحق الطلاب الغشاشون بكليات الطب، وجاءت نتائجهم فى السنة الدراسية الأولى عاراً عليهم حيث كان العنوان لم ينجح أحد، وحدث ذلك بالفعل، الغريب هو قناعات بعض أولياء الأمور تراهم يدعمون غش الأبناء بوسائل شتى سواء بالعمل على نقلهم إلى اللجان المشبوهة التى أطلق عليها إعلاميًا فى العقود الماضية لجان أبناء الكبار، لكن الدولة الآن اتخذت إجراءات بمنع النقل والتحويل إلا لأسباب قهرية،
أيضًا تكمن مسئولية وتورط بعض أولياء الأمور تكشفها سلوكيات أمام اللجان بالامساك بالميكروفونات وإعلان الإجابات بالصوت العالي، والأخطر من ذلك هو إقدام بعض أولياء الأمور على تركيب سماعات فى أذن أبنائهم بواسطة عملية جراحية من أجل تمكين أبنائهم من الغش وهو ما تتصدى له الدولة الآن بقوة وحسم وإجراءات وعقوبات وأساليب تكنولوجية مثل قطع الإنترنت،
لكن من المهم إصلاح تربوي، وتعظيم لقيمة الضمير، والوعى الحقيقى وهذه الأسر المتورطة فى تشجيع ودعم أبنائها تحتاج لإصلاح وتربية ووعي، ومازال الأمر يتعلق بهوس الحصول على شهادات دون قيمة علمية حقيقية أو مضمون أو فاعلية أو جدارة واستحقاق، وهذا أمر خطير، وهو الأمر الذى دعا الرئيس السيسى إلى الحديث عن أهمية التصدى بكل قوة لهذه الآفة وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، لأن مخرجات التعليم بموضوعية هو أمر يتعلق بمستقبل هذا الوطن.
إصلاح التعليم ليس فقط فى تطوير المناهج الدراسية أو تخفيض كثافة الفصول أو التوسع فى إنشاء المدارس وتعيين المزيد من المعلمين فقط ولكن نحتاج إلى إصلاح تربوى يعيد القدوة والتربية الصحيحة والأخلاق، وتعظيم الانضباط والضمير الذاتى من خلال بناء أجيال تتمسك بالفضائل والشرف.. من هنا يأتى العلاج الذى يستوجب إصلاحاً أسرياً وتربوياً تعليمياً، ومؤسسات دينية، ويمكن للإعلام أن يساهم بقوة فى إنجاح هذه الرؤية من خلال حملات لبناء الوعى والتعريف بخطورة هذه الآفة على الفرد والمجتمع والوطن.
مع الإجراءات الحاسمة التى تتصدى لآفة الغش نحتاج إلى رؤية شاملة لتربية صحيحة، وبناء وعى وضمير، ونصل إلى المستوى الذى يرفض فيه الطالب الغش إذا أتيح له وهو موجود لكن لابد أن يكون السائد المترسخ لدى الجميع وهذا دور الأسرة والمدرسة والمسجد والكنيسة والإعلام ليس فقط فى مكافحة الغش ولكن بناء أجيال تتمسك بأهداب الأخلاق والقيم والمبادئ والنزاهة والشرف والأمانة.




