من آن لآخر..من قلب الحروب والمحن.. تأتى المنح والفرص والدروس المستفادة.. بقلم عبد الرازق توفيق
من آن لآخر..من قلب الحروب والمحن.. تأتى المنح والفرص والدروس المستفادة.. بقلم عبد الرازق توفيق

كتب : اللواء
ليس هناك أسوأ من الحرب فى آثارها وتداعياتها الكارثية على داخل وحاضر ومستقبل الأطراف المتحاربة، أو الدول المجاورة أو تلك التى فى المنطقة، أو إقليمياً وعالمياً، فالنتائج الصعبة شبكة معقدة، لكن فى كل الأحوال الحرب استنزاف للبشر والموارد والوقت، وإهدار للمقدرات والثروات، لكن ومع اندلاع الصراع بين أمريكا واسرائيل ضد إيران فإنه بات أمراً واقعاً، نعيشه ونحاول التعايش معه والحقيقة الواضحة أن الوضع الإقليمى بعد الحرب لن يكون مثل قبلها، فالأمور والمعطيات والقناع ستكون مختلفة سواء إذا حقق الجانب الاسرائيلى النصر أو إذا تمكنت إيران من استمرار الصمود وإجبار واشنطن وتل أبيب على التراجع والانسحاب وإيقاف الحرب وهو أمر يبدو صعباً،
خاصة أن طول الوقت يمثل إحراجاً وجرحاً غائراً لدى أكبر قوة عسكرية فى العالم، ورغم أن إيران مستباحة جوياً يتحرك فيها الطيران الأمريكي- الاسرائيلى بحرية، ويدمر آلاف الأهداف الحيوية.. الآن الرهان فى إيران على أمرين تماسك النظام فى طهران، وكذلك استمرار الضربات الصاروخية وبالمسيرات وهذه الضربات تحدث دماراً هائلاً فى العمق الاسرائيلى، وتوقف الحياة فى الكيان وإحداث خسائر فادحة، خاصة على الصعيد الاقتصادى الاسرائيلى، الذى ينزف منذ أكتوبر 2023 ويطارد شبح نفاد الذخائر أو مضادات الدفاع الجوى الاسرائيلية مع تدفق الصواريخ والمسيرات الإيرانية وفشل منظومات الدفاع الجوى الاسرائيلية- الأمريكية فى ارتفاعها.
فى كل الأحوال الحرب كارثة على الجميع، لكن كما أن لها نتائج سلبية وتداعيات مؤلمة، فإن هناك أيضا دروساً مستفادة وعبراً ونتائج إيجابية لعبت فى مصلحة البعض، خاصة على الصعيد الاقتصادى، فعالم المال والأعمال والاستثمارات ورءوس الأموال بطبيعة الحال تعكف الآن على دراسة المشهد والخروج بنتائج وحقائق ونطرح تساؤلات مهمة فى هذا الصدد، كيف يفكر الآن صاحب رأس المال وأصحاب الاستثمارات الكبرى فى المنطقة والشركات العالمية، هل يختار الاستمرار فى مناطق التوتر والاستهداف أم البحث عن مناطق دول أخرى أكثر أمناً واستقراراً، وأن هناك ثقة فى حاضر ومستقبل هذه الدول وسياساتها وما تتمتع به من دور وثقل وحكمة، وعلاقات وشراكات قوية مع المحيط الإقليمى والقوى الكبرى فى العالم؟!.. نحن الآن فى مرحلة الدراسة والتحليل والبحث واتخاذ القرار الاقتصادى، خاصة مع استمرار أو طول أمد الحرب، وهل تدخل فى طور الاستنزاف المتبادل وإحداث خسائر وكلفة فادحة لجميع الأطراف.
لا يخفى على أحد أن تداعيات الحرب الدائرة الآن بين أمريكا واسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر، تطال الجميع دون استثناء، خاصة إذا تحدثنا أن مضيق هرمز المغلق الآن تمر منه 20 ٪ من حجم التجارة العالمية، ومنطقة الصراع أو الحرب أو مسرح العمليات هو قلب وعقل الطاقة والنفط العالمى سواء الخليجى أو الإيرانى.. لذلك قررت أمريكا السيطرة على فنزويلا قبل الإقدام على اتخاذ قرار الهجوم على إيران، وإن كانت أهداف واشنطن من السيطرة على فنزويلا أو الهجوم على إيران جزء مهم منها يتمثل فى محاصرة الصين وحرمانها من الحصول على إمدادات الطاقة من النفط سواء الإيرانى أو الفنزويلى أو حتى الخليجى، لتحجيم التمدد والنفوذ الاقتصادى الصينى، الذى يهدد الهيمنة الأمريكية وربما تعاقب الصين الولايات المتحدة من خلال دعم إيران،
خاصة إمدادات الأسلحة المتطورة وصور الأقمار الصناعية لتمركزات القوات الأمريكية، وقررت الصين أن تتواجد فى مسرح العمليات من أجل حماية إمدادات الطاقة العالمية، وهناك من يشير إلى نجاح «صيني- روسى» فى استدراج واشنطن لمستنقع إيران.. وحتى لا نبتعد عن مضمون وفكرة المقال، لابد من التأكيد على أهمية خضوع هذه الحرب إلى تحليل دراسات معمقة على كل المستويات سواء العسكرية أو الأمنية أو الاقتصادية والإستراتيجية، وما مستقبل المنطقة أو الشرق الأوسط بعد هذه الحرب سواء فى حالة نجاح الأمريكان والاسرائيليين أو صمود إيران وإجبارها للطرفين على التراجع، وهذا فى ظنى سيكون الخيار الأفضل للمنطقة، لأن نجاح واشنطن وتل أبيب فى كسر وإسقاط إيران وتغيير النظام فيها وتفكيك الدولة الإيرانية سيكون مغرياً للأمريكان والصهاينة للتمادى وخلق وصناعة صراعات جديدة تحقق أوهام ومخططات المتطرفين الإسرائيليين فى مراكز الدراسات والتحليل فى كل التخصصات والمجالات، فالحرب الدائرة الآن حافلة بالدروس والنتائج والمتغيرات التى ستغير شكل خريطة المنطقة، خاصة على الصعيد الإستراتيجى والاقتصادى والعسكرى الذى تبرز فيه أسئلة مهمة، ما منظومات التسليح التى فشلت وتلك التى نجحت؟،
هل الضربات الجوية المكثفة تستطيع أن تحسم الحرب وتسقط النظام؟، ولماذا هذه الاستباحة الجوية وهل فشلت أنشطة الدفاع الجوى الحديثة فى التصدى للمقاتلات الحديثة وأيضا الصواريخ الباليستية؟، وهل دخلت حروب المسيرات مرحلة أكثر تطوراً، وكيفية التأمين المعلوماتى وتفادى الاختراق الأمنى السافر كما حدث فى إيران؟، وماذا عن الرهانات الحقيقية على الصمود والبقاء؟، وكيف يلعب التماسك الداخلى والاصطفاف دوراً حاسماً فى الحفاظ على الدول؟، وهل تستطيع القوة الصاروخية الإيرانية المساهمة فى حسم الحرب أو تراجع الأمريكان والاسرائيليين؟،
وماذا عن مستقبل دول الأزمات فى المنطقة إذا ما حسمت واشنطن وتل أبيب المعركة؟، وماذا عن مستقبل لبنان إذا فشلت إيران ومعها حزب الله؟، وماذا عن الدول المستهدفة أو القوى الإقليمية من إيران؟، وماذا عن الحروب المؤجلة بالنسبة لواشنطن وتل أبيب؟، وماذا عن شكل الشرق الأوسط والقوى الحاكمة فيه؟، وكيف يمكن تعظيم الدروس المستفادة وتحديد نقاط القوة والضعف والثغرات وكيفية تلاشيها؟، وماذا عن بحوث التطوير ووضع خطط بديلة لمواجهة مثل هذا النوع من الهجوم فى ظل عرض الحقائق على الواقع؟.. نحن أمام دروس عسكرية كثيرة، يجب التوقف أمامها وتحليلها والخروج منها بنتائج من أجل المستقبل.
على الصعيد الاقتصادى، النتائج والدروس كثيرة، تدور حول المواجهات الجديدة القادمة لرءوس الأموال والوجهات السياحية فى ضوء ما حدث، وكذلك الاستثمارات.. والسؤال الذى يجب أن نطرحه على أنفسنا: هل نحن مستعدون؟!، هل لدينا البدائل؟!، وماذا عن مصير ممرات الطاقة القديمة فى ضوء إغلاق مضيق هرمز؟!، وهل لدينا البدائل والإمكانات والقدرات؟!.. الحقيقة فى ضوء معجزة البناء على مدار الـ 12 عاماً الماضية..
قولاً واحداً نحن جاهزون ولدينا البدائل الأكثر فاعلية، ولدينا القدرات والإمكانات.. بنى تحتية وشبكة موانئ عالمية وعصرية وخطوط إمداد ونقل بديلة لإمدادات الطاقة، وقوة وقدرة تستطيع حماية الأمن والاستقرار، وبالتالى قادرة على استقبال التدفقات السياحية القادمة من مناطق التوترات، وهى إضافة تزيد من حصتنا، وبات واضحاً لدى الجميع أن هذا البلد هو الأكثر أمناً وأماناً واستقراراً وثقة واطمئناناً.. وقولاً واحداً نحن جاهزون وبدرجة تفوق أى توقع وكأننا استشرفنا المستقبل.. مصر هى طوق النجاة وقبلة القوة الحكيمة والأمن والاستثمارات والسياحة.




