أخبار عاجلةمقالات وابداعات

( البعث والخلود في مصر القديمة ) بقلم الباحثة هاجر الهواري باحثة في التاريخ المصري القديم

المصري القديم مومياوات صامتة ترك لنا رؤية إنسانية ناضجة ترى في الخلود بعث للحياة

( البعث والخلود في مصر القديمة ) بقلم الباحثة هاجر الهواري باحثة في التاريخ المصري القديم 

( البعث والخلود في مصر القديمة ) بقلم الباحثة هاجر الهواري باحثة في التاريخ المصري القديم 
( البعث والخلود في مصر القديمة ) بقلم الباحثة هاجر الهواري باحثة في التاريخ المصري القديم

كتب : اللواء

لم يكن الإيمان بالبعث والخلود في مصر القديمة فكرة تجريدية أو عقيدة مؤجلة إلى ما بعد الموت، بل كان مبدأً حاكمًا للحياة نفسها. فالمصري القديم لم يتعامل مع الموت بوصفه نهاية، بل بوصفه مرحلة انتقالية في مسار وجودي متصل، تبدأ فيه حياة أخرى لا تقل واقعية عن الحياة الدنيوية. ومن هذا التصور تشكّلت منظومة فكرية  جعلت البعث محورًا للدين، والأخلاق، والتنظيم الاجتماعي.

آمن المصري القديم بأن الإنسان كيان مركّب، يتكوّن من الجسد وعناصر آخرى تضمن له الاستمرار بعد الوفاة. ولم يكن بقاء هذه العناصر ممكنًا إلا إذا ظل الجسد محفوظًا وقادرًا على استقبال الروح من جديد. ومن هنا لم يكن الاهتمام بالجسد نابعًا من خوفٍ من الموت، بل من يقينٍ بالحياة بعده. إذ لم يكن الخلود في الفكر المصري القديم وعدًا غيبيًا مؤجّلًا، بل غاية يُهيِّئ لها الإنسان خلال حياته، وقد انعكس هذا التصور بوضوح في سلوكه اليومي فالحياة الأخلاقية لم تكن منفصلة عن المصير الأبدي. كان على الإنسان أن يعيش وفق مبدأ “ماعت” — النظام والحق والعدالة — لأن الحساب بعد الموت لم يكن رمزيًا،  في محكمة أوزيريس يُوزن القلب، لا الجسد، وتُقاس حياة الإنسان بميزان أخلاقي صارم. ولذلك لم يكن السلوك القويم ترفًا دينيًا، بل شرطًا للخلود.

وتجلّى التعامل العملي مع فكرة البعث في كل ما تركه المصري القديم وراءه: المقابر لم تكن أماكن للفناء، بل “بيوتًا”، جُهّزت بالطعام والأثاث والنصوص، وكأن صاحبها سيعود لاستخدامها. والنقوش لم تكن تزيينًا، بل تعليمات واضحة للروح في رحلتها، تضمن لها المعرفة اللازمة لعبور العالم الآخر بسلام. حتى العمل اليومي، والزراعة، وبناء المعابد، كانت أفعالًا ذات بعد أبدي، لأن ما يُنجَز في الدنيا يمتد أثره إلى ما بعدها.

ولم يكن هذا الإيمان حكرًا على الملوك أو النخبة، بل شمل مختلف طبقات المجتمع، وإن اختلفت وسائل التعبير عنه. فبينما عبّر الملك عن خلوده في عمارة ضخمة ونصوص مقدسة، عبّر الإنسان العادي عن إيمانه بسلوك مستقيم، وقبر متواضع، ونصوص مختصرة تؤكد حقه في البعث. كما أن  الإيمان بالبعث في مصر القديمة لم يكن هروبًا من الموت، بل مواجهة واعية له. فقد آمن المصري أن الحياة تستمر، ولكنها لا تُمنح مجانًا؛ بل تُكتسب بالعدل، والنظام، واحترام القوانين الكونية. ولهذا ظلّ الموت حاضرًا في الوعي المصري، لا بوصفه فاجعة، بل بوصفه اختبارًا أخيرًا لمعنى الحياة.

وهكذا، لم يترك لنا المصري القديم مومياوات صامتة فحسب، بل ترك رؤية إنسانية ناضجة ترى في الخلود نتيجة طبيعية لحياة عاشت بوعي ومسؤولية. وهناك رؤية تقول إن من فهم الحياة حقًا لدى المصري القديم ، إنه لم يخف من الموت  بل إستعد له.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى