اخبار مصرمقالات وابداعات

المتحف المصري الكبير يفتح أبواب التاريخ من جديد..بقلم الباحثه هاجر الهواري (باحثة فى التاريخ المصرى القديم)

الحضارة التي علّمت الإنسان الكتابة… لا تزال تكتب التاريخ حتى  اليوم 

المتحف المصري الكبير يفتح أبواب التاريخ من جديد..بقلم الباحثه هاجر الهواري (باحثة فى التاريخ المصرى القديم)

المتحف المصري الكبير يفتح أبواب التاريخ من جديد..بقلم الباحثه هاجر الهواري (باحثة فى التاريخ المصرى القديم)
المتحف المصري الكبير يفتح أبواب التاريخ من جديد..بقلم الباحثه هاجر الهواري (باحثة فى التاريخ المصرى القديم)

 كتب : اللواء

على  مشارف الصحراء الغربية، عند بوابة الأهرامات، ينتصب المتحف المصري الكبير كأنه معجزة معمارية خرجت من قلب الزمن، ليُعيد إلى الوجود مجد الفراعنة في ثوب حديث. هناك، حيث يلتقي القديم بالحديث، والرمز بالحجر، يقف  المتحف الجديد كأكبر شاهد على عبقرية مصر التي لا تعرف التوقف، والتي تصرّ أن تروي حكايتها للعالم من جديد — لكن هذه المرة على لسان الضوء والحجر والزمن معًا.

فكرة المتحف لم تولد فجأة، بل بدأت كحلم منذ مطلع الألفية الجديدة، حين أدركت مصر أن تراثها الهائل يحتاج إلى بيت يليق به، مكان يُعيد ترتيب التاريخ، لا ليحفظه فقط، بل ليجعله حيًّا بيننا. عام 2002 أُعلن عن المسابقة العالمية لتصميم المتحف، وفاز بها المكتب الهندسي الأيرلندي Heneghan Peng، الذي قدّم رؤية معمارية مدهشة تربط بين الأهرامات والمستقبل؛ واجهة هائلة من الحجر الجيري تتماهى مع ألوان الرمال، ومدخل زجاجي يعكس ضوء الشمس ليُعلن أن الحضارة المصرية لا تزال تشرق من قلب الصحراء.

وقد وُضع حجر الأساس رسميًا في العام نفسه بحضور الرئيس الأسبق حسني مبارك، وبدأت أعمال البناء عام 2005، بتمويل مشترك بين الحكومة المصرية والوكالة اليابانية للتعاون الدولي (JICA). ومنذ ذلك الحين، وعلى مدار عقدين من الزمن، وُلد المشروع وسط تحديات سياسية واقتصادية جسيمة، لكنه صمد كرمز لإصرار دولة تعرف أن آثارها ليست مجرد أحجار، بل هويتها الحيّة.

يمتد المتحف المصري الكبير على مساحة نصف مليون متر مربع، ليُصبح أعظم متحف أثري على وجه الأرض. وعند الدخول، يستقبل الزائر تمثال الملك رمسيس الثاني في بهو ضخم تحيط به تماثيل ملوك مصر، كأنهم يعودون من عصورهم ليشهدوا ميلاد معبد جديد لحضارتهم. سقف مرتفع، إضاءة ذهبية ناعمة، ومساحات صُممت لتخاطب الحواس قبل العيون. لا يشعر الزائر أنه يسير بين  vitrines” “بل بين فصول مفتوحة من كتاب مصر الذي لا يُغلق.

يضم المتحف ما يزيد على مئة ألف قطعة أثرية، من أقدم أدوات الإنسان المصري إلى كنوز الفراعنة العظام. غير أن تاج هذه المجموعة هو ما تركه  الفرعون الذهبي توت عنخ آمون: خمسة آلاف قطعة تعرض للمرة الأولى مجتمعة، منذ اكتشاف مقبرته عام 1922، في قاعات مخصصة بتصميم يحاكي العالم الجنائزي في وادي الملوك، لتجسّد رحلة الملك من الأرض إلى الأبدية. كل قطعة هناك تحكي شيئًا عن الطفولة، والخلود، والدهشة الأولى أمام المجهول.

لكن المتحف لم يُبنَ ليكون مخزنًا للماضي؛ بل مختبرًا للمستقبل. في قلبه مركز ترميم يُعدّ من الأحدث عالميًا، مزود بمعامل لتحليل النسيج، الخشب، البردي، والمعادن. هناك يعمل العلماء على إنقاذ ما تبقى من آثارنا الدقيقة، ويعيدون الحياة إلى ما ظنّ العالم أنه اندثر.

ولأن مصر لا تقدّم التاريخ فقط بل تحكيه بفن، فإن العرض داخل المتحف يتجاوز الف vitrines التقليدية. تقنيات رقمية تفاعلية، شاشات ثلاثية الأبعاد، مسارات صوتية ومرئية تحكي قصة كل قطعة كما لو كانت تتنفس. هنا يتحول المتحف إلى تجربة، والماضي إلى رحلة.

والآن، بينما تستعد مصر لافتتاحه رسميًا، تتحوّل الأنظار من كل العالم نحو الجيزة. فالمتحف المصري الكبير ليس مجرد حدث ثقافي، بل لحظة عالمية تُعيد مصر إلى قلب الحضارة الإنسانية. افتتاحه يُعد تتويجًا لعقود من الجهد والعلم والتخطيط، وإعلانًا أن مصر — رغم ما مرّ بها من أزمنة — لا تزال تملك الكلمة الأخيرة حين يتحدث التاريخ.

إنه ليس متحفًا فقط، بل وعدٌ بالحياة، وعدٌ بأن آثارنا لن تُنسى، وأن الماضي سيظل هو النور الذي يضيء طريق المستقبل. في جدرانه تسكن ذاكرة الأجداد، وفي تصميمه يتجلّى إصرار الأحفاد، ومع افتتاحه لا تقدّم مصر للعالم مجرد متحف، بل رسالة خالدة

أن الحضارة التي علّمت الإنسان الكتابة… لا تزال تكتب التاريخ حتى  اليوم 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى