أخبار عاجلةمقالات وابداعات

تبرئة شاعر العربية مما رُمِيَ به ..بقلم د/ أحمد عيد وكيل كلية اللغة العربية بالقاهرة جامعة الأزهر

اللغة العربية تبرئ المتنبي من تلك التهمة الكبيرة التي تمس عقيدة شاعرها القدير

تبرئة شاعر العربية مما رُمِيَ به ..بقلم د/ أحمد عيد وكيل كلية اللغة العربية بالقاهرة جامعة الأزهر

تبرئة شاعر العربية مما رُمِيَ به ..بقلم د/ أحمد عيد وكيل كلية اللغة العربية بالقاهرة جامعة الأزهر
تبرئة شاعر العربية مما رُمِيَ به ..بقلم د/ أحمد عيد وكيل كلية اللغة العربية بالقاهرة جامعة الأزهر

كتب : اللواء

اعتنى الناسُ قديمًا وحديثًا بشعر شاعر العربية أبي الطيب المتنبي: أحمد بن الحسين المتوفى سنة (354هـ)، ولا زال الجدل يدور حول بعض أبياته الشعرية، وما زالت بعضُ التهم التي وُجِّهَت إليه حيَّةً، تتردد على بعض الألسنة بَينَ الحين والآخر.

وكان المتنبي رجلًا عزيزًا ذا رأيٍ وشجاعةٍ، وهو القائل: [من الكامل]

الرَّأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشُّجْعَانِ
  هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ الْمَحَلُّ الثَّانِي

فَإِذَا هُمَا اجْتَمَعَا لِنَفْسٍ مَرَّةً

  بَلَغَتْ مِنَ الْعَلْيَاءِ كُلَّ مَكَانِ

ومن أَصْدَقِ ما قِيل فِي سَبَبِ تَلْقِيبه بـ(الْمُتَنَبِّي) مَا ذَكَرَهُ مُعاصرُه وصديقُه أبو الفتح عثمانُ بن جِنِّي (ت392هـ)، فقد قال: “سَمِعْتُ أَبَا الطَّيِّبِ يَقُولُ: إِنَّمَا لُقِّبْتُ بِـ(المُتَنَبِّي) لِقَوْلي: [من الخفيف]

أَنَا تِرْبُ النَّدَى وَرَبُّ القَوَافِي
  وَسِمَامُ الْعِدَا وَغَيْظُ الْحَسُودِ

أَنَا فِي أُمَّةٍ تَدَارَكَهَا اللَّهُ

  غَرِيْبٌ ‌كَصَالِحٍ ‌فِي ‌ثَمُودِ

مَا مَقَامِي بَأَرْضِ نَحْلَةَ إِلَّا

  كَمَقَامِ الْمَسِيْحِ بَيْنَ اليَهُودِ

وكان المتنبي واسعَ الاطلاع على مفرداتِ اللغة العربية، مُلِمًّا بدقائقها، عَارِفًا بشواردِها. يقَال: إِنَّهُ لَقِي أَبا عَلِيٍّ الفَارِسِيَّ (ت377هـ)، فَقَالَ لَهُ أبو عليٍّ: كَمْ لَنَا من الجُمُوع على وزن (فِعْلَى) بالكَسر؟

فَقَالَ أَبو الطَّيّب بَدِيهَةً: حِجْلَى (جمع حَجَلَةٍ، وهي طَيْرٌ)، وظِرْبَى (جمع ظَرِبَان، وهي دُوَيْبَّةٌ كالهِرَّة)، لا ثَالِثَ لَهُمَا.

فَمَا زَال أَبُو عَلِيّ يَبْحثُ ويستقصي: هَل يَسْتَدْرِكُ عَلَيْهِ ثَالِثًا؟ وَكَانَ رَمِدًا فَلم يُمْكِنْ لَهُ ذَلِكَ، حَتَّى قِيلَ: إِنَّه مَعَ كَثْرَة المُرَاجَعَة ورَمَد عَيْنَيْه آلَ بِه الأَمْرُ إِلَى ضَعْفِ بَصَرِه.

فالمتنبي شاعرُ العربيةِ بحقٍّ، وقد ملأ الدنيا شعرًا قويًّا جَمِيلًا، حتى نَظَر الأعمى إلى أدبه وإن كان لا يُبصر، وأسْمَعَت كلماتُه من به صَمَمٌ، وإن كان لا يَسمع، كما كان يفتخر في شعره؛ ولذلك تُبَرِّئ العربيةُ شاعرَها من بعض ما رُمِيَ به من قلة الورع وامتهان الدين، الذي ما زال يتردد على ألسنة كثير من الدراسين، وفي بعض كتاباتهم، فقد قال المتنبي: [من الخفيف]

عَمْرَكَ اللهُ هَلْ رأيتَ بُدُورًا
  طلعت في بَراقعٍ وَعُقُود

رَامياتٍ بأَسْهمٍ ريشُها الهُدْ

  بُ تَشقّ القُلوبَ قَبلَ الجُلُودِ

يَتَرشَّفْنَ مِنْ فمي رَشفاتٍ

  هُنَّ فِيهِ أحْلَى مِن التَّوحِيدِ

قال الحسن بن علي الضبي (ت 393هـ) في كتابه (المنصف للسارق والمسروق منه، ص 255) عن قَوله: (هُنَّ فِيهِ أحْلَى مِن التَّوحِيدِ): “هذه ألفاظٌ فيها قلةُ ورعٍ، وامتهانٌ للدين، لا أحبُّ له استعمالها”.

وذكر أبو منصور الثعالبي (ت 429هـ) في كتابه (أبو الطيب المتنبي وما له وما عليه، ص 88، 89) من معايب المتنبي: الإيضاح عن ضعفِ العقيدة ورقةِ الدين، وأنَّه قَرَع هذا البابَ كثيرًا بمثل قوله:

يَتَرشَّفْنَ مِنْ فمي رَشفاتٍ

  هُنَّ فِيهِ أحْلَى مِن التَّوحِيدِ

وكذلك قال ابنُ رشيق القيرواني (ت 463هـ) في كتابه (العمدة في محاسن الشعر وآدابه 2/63).

وقال الواحدي (ت 468هـ) يشرح هذا البيت: “كنَّ يَمْصُصْنَ ريقي؛ لحُبِّهنَّ إيَّايَ، فَكَانَت الرَّشَفَاتُ في فمي أحلى من كلمة التَّوْحِيد، وهي لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَهَذَا إفراطٌ وَتجَاوزُ حَدٍّ“.

أقول:

اللغة العربية تبرئ المتنبي من تلك التهمة الكبيرة التي تمس عقيدة شاعرها القدير، فقد جاء في كتب مَتْنِ اللغة أنَّ مفردة (التوحيد) اسمٌ لنوعٍ من التمر، وأنَّهُ قد يُراد بـ(التوحيد) المرة الواحدة من الشيء، فتكون بمعنى (الإفراد) المقابل (الجمع) المعبر عنه بـ(هُنَّ) في البيت.

جاء في تاج العروس (مادة و ح د): “وأَبو حَيَّان عليّ بن محمّد بن العباس التَّوْحِيدِيّ (ت400هـ)؛ نِسبة لِنَوْعٍ من التَّمْرِ، يُقَال لَهُ: التَّوْحِيد، وَقيل: هُوَ المُرَاد من قَولِ المُتَنَبِّي: (هُوَ عِنْدِي أَحْلَى مِنَ التَّوْحِيدِ)، وَقيل: أَحْلَى مِن الرَّشْفَةِ الوَاحِدَةِ”.

وقَالَ ابنُ قاضِي شُهْبَة (ت851هـ) في كتابه (طبقات الشافعية1/187): “والتَّوْحِيدِيُّ … يُقَال: إِن أَبَاهُ كَانَ يَبِيع التَّوْحِيد بِبَغْدَاد، وَهُوَ نوع من التَّمْر بالعراق“. 

فليس المراد بـ(التوحيد) في بيت المتنبي (لا إله إلا الله) كما فَهِمَ الشراحُ – رحمهم الله تعالى – بل المراد به واحد من أمرين:

أولهما: هذا النوع من تمر العراق، والآخر: أنَّ المراد بشطر البيت: كون الجمع، وهو الرشفات أحلى في فمي من الإفراد، وهو الرَّشْفَة الواحدة.

وجاء بـ(التوحيد) في البيت دون كلمة (الإفراد)؛ لأنَّ الرِّدْف (وهو حرفُ لِينٍ أو مدٍّ يقع قبل الرَّوي مباشرةً) يجوز أن يكونَ بالواو أو الياء على سبيل التناوب في القصيدة الواحدة كما نلحظ في الأبيات المذكورة التي منها هذا البيت، وإذا كان الردف بالألف وجب التزامها من أول القصيدة إلى آخرها.

رحم الله المتنبي شاعر العربية، وغفر لمنتقديه دون تثبتٍ ودقةِ نظرٍ في لغتنا الثرية.

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى