«ويست بوينت»معهدالحرب الحديثة الأمريكي: مبادئ حرب أكتوبر لا تزال تحكم المعارك المعاصرة
تقرير الأكاديمية العسكرية الأمريكية يوثق 8 دروس من حرب أكتوبر قدمت نموذجًا لدراسة العلاقة بين الوسائل العسكرية والأهداف السياسية
«ويست بوينت»معهدالحرب الحديثة الأمريكي: مبادئ حرب أكتوبر لا تزال تحكم المعارك المعاصرة

كتب : اللواء
بعد 53 عامًا، لا تزال حرب أكتوبر تفرض نفسها على دراسات الحروب الحديثة، ليس باعتبارها انتصارًا مصريًا خالدًا فحسب، وإنما باعتبارها تجربة غيرت مفاهيم التخطيط والخداع الاستراتيجى وإدارة المعارك.
فى الوقت الذى كشفت فيه الحرب الروسية الأوكرانية والمواجهات الإيرانية الأمريكية عن تحولات جديدة فى أساليب القتال، تعود دروس أكتوبر لتؤكد أن كثيرًا من قواعد الحرب الحديثة التى نتابعها اليوم قد تشكل الكثير منها أصلًا فى السادس من أكتوبر 1973، لقد كان العبور المصرى المجيد لقواتنا المسلحة نقطة تحول فى تاريخ الحروب الحديثة، أعادت خلالها مصر صياغة العلاقة بين التخطيط العسكرى والتفوق التكنولوجى، وأثبتت أن حسن الإعداد وفهم طبيعة الخصم يمكن أن يغيرا موازين القوى.
قدمت حرب أكتوبرالعديد من الدورس التى لا تزال حاضرة حتى يومنا هذا، وعلى موقع معهد الحرب الحديثة بالأكاديمية العسكرية الأمريكية «ويست بوينت»، رصدنا بحثا أكاديميا نشر مؤخرا يؤكد أن الكثير من مبادئ حرب أكتوبر 73 لا تزال أساسية فى إدارة الحروب وقد وثق تقرير الأكاديمية العسكرية الأمريكية 8 دروس من حرب أكتوبر، مؤكدًا أنها قدمت نموذجًا لدراسة العلاقة بين الوسائل العسكرية والأهداف السياسية، وأن كثيرًا من مبادئها لا يزال أساسيًا فى إدارة الحروب الحديثة.
التخطيط المناسب
كانت أبرز دروس أكتوبر أن الجيش الذى يمتلك أسلحة متقدمة ليس بالضرورة الجيش القادر على تحقيق أهدافه إذا افتقد التخطيط الملائم لطبيعة المعركة، فقد نجحت مصر فى تقليص أثر التفوق الجوى الإسرائيلى من خلال إنشاء مظلة دفاع جوى قوية، واستخدام صواريخ أرض-جو، وتوظيف الأسلحة المضادة للدبابات فى مواجهة الهجمات المدرعة، وأظهرت المعركة أن التكنولوجيا لا تعمل بمعزل عن العقيدة العسكرية، وأن السلاح الأكثر فاعلية هو الذى يُستخدم ضمن خطة متكاملة، وهذا الدرس لا يزال حاضرًا فى الحروب المعاصرة، حيث لم تعد الطائرات والدبابات وحدها صاحبة التأثير الحاسم، بل أصبحت منظومات الطائرات المسيرة والدفاع الجوى، والصواريخ الفرط صوتية، والاستطلاع، والحرب الإلكترونية، عناصر مترابطة فى تحديد نتائج المعارك.
لم تعتمد مصر على القوة النارية وحدها، بل سبقت الحرب بجهد استخباراتى وعمليات خداع واسعة، ساعدت على إخفاء موعد الهجوم الحقيقى عن القيادة الإسرائيلية.. ويشير تقرير ويست بوينت إلى أن إسرائيل كانت تمتلك معلومات عن التحركات المصرية، لكنها فسرتها من خلال تصورات سابقة، واعتقدت أن التدريبات والحشود لا تعنى بالضرورة قرب اندلاع الحرب. وهنا ظهر أحد أهم دروس أكتوبر: «قد يرى الخصم المعلومات الصحيحة، لكنه يفشل فى فهم معناها»، إن الخداع المصرى لم يكن مجرد إخفاء لموعد الهجوم، بل كان نجاحًا فى التأثير على تقديرات الخصم، ودفعه إلى اتخاذ قرارات خاطئة فى اللحظة الحاسمة. ولذلك أصبحت حرب أكتوبر نموذجًا مهمًا فى دراسة العلاقة بين الاستخبارات والتحليل والقرار العسكرى.
الدفاع الجوى
كانت إسرائيل تراهن على سلاحها الجوى باعتباره أحد أهم مصادر تفوقها، لكن القوات المصرية نجحت فى الحد من حرية عمل الطيران الإسرائيلى، وقد أظهر استخدام منظومات الدفاع الجوى، وعلى رأسها صواريخ سام-6، أن الطيران المتفوق يحتاج إلى بيئة عملياتية تسمح له بالحركة، وأن وجود دفاع جوى متكامل يمكن أن يغير حسابات المعركة، وهذا الدرس يكتسب أهمية خاصة فى الحروب الحالية، التى تشهد انتشار الصواريخ والطائرات المسيرة، وتزايد الاعتماد على الدفاع الجوى متعدد الطبقات لحماية القوات والمنشآت الحيوية.
كشفت حرب أكتوبر أن الدبابة، مهما بلغت قوتها، ليست محصنة أمام الأسلحة المناسبة والتكتيكات الملائمة، فقد استخدمت القوات المصرية الصواريخ المضادة للدبابات فى مواجهة الهجمات المدرعة الإسرائيلية، وأثبتت أن وحدات المشاة المسلحة بأسلحة دقيقة نسبيًا يمكنها إلحاق خسائر مؤثرة بالقوات المدرعة عندما تعمل ضمن خطة دفاعية متماسكة، وقد أصبح هذا الدرس أكثر وضوحًا فى الحروب الحديثة، حيث تواجه الدبابات تهديدات متزايدة من الصواريخ الموجهة والطائرات المسيرة. ومع ذلك، لا يعنى هذا اختفاء دور المدرعات، بل يؤكد ضرورة دمجها مع المشاة والاستطلاع والدفاع الجوى والحرب الإلكترونية.
هدف سياسى
من أهم ما يلفت النظر فى تحليل ويست بوينت أن حرب أكتوبر لم تكن مجرد عملية عسكرية لاستعادة الأرض، بل كانت وسيلة لتحقيق هدف سياسى أوسع، فقد أدرك الرئيس البطل أنور السادات أن استمرار حالة الجمود بعد حرب 1967 لن يؤدى إلى استعادة سيناء، وأن عملية عسكرية محدودة ذات أهداف واضحة يمكن أن تغير الحسابات السياسية لدى إسرائيل والقوى الدولية، ولهذا ارتبطت العمليات العسكرية المصرية برسائل سياسية تؤكد محدودية الأهداف وعدم السعى إلى توسيع الحرب بلا ضرورة، وقد ساعد نجاح الهجوم الأول على فتح الطريق أمام عملية سياسية انتهت باتفاقات فك الاشتباك ثم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، وهنا يتجلى درس بالغ الأهمية وهو أن الانتصار العسكرى لا يقاس فقط بما يُحسم فى ميدان القتال، وإنما أيضًا بما يحققه من تغيير فى البيئة السياسية والاستراتيجية.
أرجع التقرير جانبًا مهمًا من إخفاق إسرائيل إلى ما سماه «التصور» السابق، الذى افترض أن مصر لن تبدأ الحرب قبل امتلاك قدرات معينة، وقد أدى هذا التصور إلى التقليل من قيمة المعلومات التى كانت تشير إلى قرب الحرب، وإلى تفسير التحركات المصرية باعتبارها تدريبات معتادة، وهذا درس يتجاوز حرب أكتوبر نفسها، فالانتصارات السابقة قد تمنح الجيش ثقة ضرورية، لكنها قد تتحول إلى نقطة ضعف إذا جعلته يستهين بقدرات خصمه أو يرفض مراجعة تقديراته.
سلاح الابتكار
من أكثر مشاهد الحرب دلالة على عبقرية التخطيط المصرى نجاح وحدات المهندسين فى فتح ثغرات فى الساتر الترابى لخط بارليف باستخدام خراطيم المياه، بدلًا من الاعتماد على عمليات تفجير واسعة تستغرق وقتًا أطول، ثم جاء إنشاء الكبارى وتجهيز وسائل العبور لتمكين القوات والمعدات الثقيلة من الانتقال إلى الضفة الشرقية، وهذا يوضح أن الحرب لا يحسمها السلاح الهجومى وحده، بل أيضًا القدرة على تجاوز العوائق، وتوفير الإمداد، والحفاظ على استمرارية العمليات، وقد أثبتت مصر أن الابتكار فى الوسائل الهندسية يمكن أن يختصر الوقت ويقلل الخسائر ويجعل المستحيل عمليًا قابلًا للتنفيذ.
القوة الحقيقية
لم تنته أهمية حرب أكتوبر عند عبور القناة أو استعادة جزء من الأرض شرقها، بل امتدت إلى كيفية إدارة نتائج الحرب ومنع تحولها إلى مواجهة أوسع تهدد الإنجاز العسكرى والسياسى.. إن الدرس الأهم الذي خلده نصر أكتوبر هو أن القوة الحقيقية لا تقاس بما تمتلكه الدولة من أسلحة فقط، وإنما بقدرتها على التفكير، والتخطيط، والمبادرة، وفهم خصمها، وإدارة المعركة حتى تتحول نتائجها إلى مكاسب وانتصارات.




