أخبار عاجلةمقالات وابداعات

معبد الأقصر: بين الحجر والقداسه .. بقلم الباحثة : هاجر الهواري ( باحثة فى التاريخ المصرى القديم)

معبد الأقصر وثيقة فكرية وروحية تجسّد رؤية المصري القديم للعالم ولذاته وفلسفتة فى الوجود والإيمان جعلت منه شاهدًا أبديًا على حضارة لا تعرف الفناء

معبد الأقصر: بين الحجر والقداسه .. بقلم الباحثة : هاجر الهواري ( باحثة فى التاريخ المصرى القديم) 

معبد الأقصر: بين الحجر والقداسه .. بقلم الباحثة : هاجر الهواري ( باحثة فى التاريخ المصرى القديم) 
معبد الأقصر: بين الحجر والقداسه .. بقلم الباحثة : هاجر الهواري ( باحثة فى التاريخ المصرى القديم)

كتب : اللواء 

يقف معبد الأقصر شامخًا على الضفة الشرقية للنيل بمدينة طيبة، شاهدًا على عبقرية المصري القديم في قدرته على الجمع بين الدين والسياسة، بين الإله والملك، بين الأرض والسماء. لم يكن المعبد مجرد بناء تُقام فيه الطقوس، بل تجسيدًا لفكرة الخلق والنظام الكوني، وتعبيرًا عن الإيمان بديمومة الحياة وتجددها.

تعود البدايات الأولى لتشييده إلى عهد الملكة حتشبسوت والملك تحتمس الثالث من الأسرة الثامنة عشرة، إذ عُثر على اسم المعبد منقوشًا على أساور حتشبسوت، مما يدل على أن المكان كان ذا قدسية خاصة قبل اكتماله في عهد أمنحتب الثالث الذي شيّد المعبد لعبادة الإله آمون رع، ربّ الدولة ومعبودها الأعظم في عصر الدولة الحديثة.

كان المعبد مركزًا للاحتفال السنوي بعيد الأوبت، حيث تنتقل صورة آمون في موكب مهيب من الكرنك إلى الأقصر، في طقس يجسد تجدد قوى الخلق ويُعيد إلى الملك شرعيته الإلهية بوصفه المختار من السماء. ومن هنا اكتسب المعبد بعدًا سياسيًا ودينيًا معًا، إذ مثّل رمزًا لاستمرارية الخلق وترسيخ العلاقة بين الإله والملك.

وفي عهد رمسيس الثاني اكتمل المعبد في صورته المهيبة، فأضاف الصرح العظيم والفناء الواسع الذي تصطف على جانبيه التماثيل الضخمة للملك، كما أقيمت أمامه مسلتان بقيت إحداهما في مكانها حتى اليوم، بينما نُقلت الأخرى إلى باريس في القرن التاسع عشر.

وجاء تصميم المعبد انعكاسًا للفكر الديني الذي يرى في العمارة صورةً للكون. فالانتقال من الصرح إلى قدس الأقداس يمثل رحلة رمزية من الفوضى إلى النظام والنور، تمامًا كما خرج الكون من ظلمات “نون” وفق أسطورة الخلق المصرية. ويتناغم محوره الطولي مع حركة الشمس، فيبدو الحجر وكأنه يتنفس الضوء ويستمد منه الحياة. أما الأعمدة الشاهقة، فقد نُحتت على هيئة سيقان البردي والنخيل، في استحضار للطبيعة المصرية داخل العالم المقدس، حتى يخال للناظر أن المعبد يرفع صلاته للسماء في صمت مهيب.

وتُظهر النقوش على جدرانه مشاهد الملوك وهم يقدّمون القرابين إلى آمون رع، في دلالة على اتحاد الملك بالإله وتجديد النظام الكوني. تلك المشاهد لم تكن طقوسًا شكلية، بل إعلانًا لاستمرار مبدأ “ماعت” — الحق والعدل والاتزان — الذي قامت عليه العقيدة المصرية.

وهكذا، لا يُعد معبد الأقصر أثرًا معماريًا فحسب، بل وثيقة فكرية وروحية تجسّد رؤية المصري القديم للعالم ولذاته، وفلسفته في الخلق والشرعية والنظام الكوني. إنه ليس بناءً من الحجارة، بل نص معمارى يجسد فلسفة المصرى القديم فى الوجود والإيمان، جعلت منه شاهدًا أبديًا على حضارة لا تعرف الفناء.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى